الشيخ الطبرسي

814

تفسير جوامع الجامع

فيمَا يَأْمُرُ بهِ من عبادةِ الأَوثَانِ كما يَعْتَقِدُ ، وكذلكَ ( إِنْ ) كَانَ على التَّكذيبِ للحقِّ والتَّولِّي عن الدِّينِ ، كَمَا نَقُولُ نَحْنُ ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى ) وَيَطَّلِعُ على أَحْوالِهِ من هُدَاهُ وضَلاَلِهِ فَيُجَازيهِ على حَسْبِ ذلكَ ، وهذا وَعِيدٌ . وقيلَ : معنَاهُ : أَرأَيْتَ إنْ كانَ هذا الذي صَلَّى علَى الهُدى والطَّريقَةِ المستَقيمةِ ، وأَمَرَ بأَن تُتَّقَى مَعَاصِي اللهِ ، كيفَ تَكُونُ حَالُ مَن يَنْهَاهُ عن الصَّلاةِ ويَزْجرُهُ عَنْها ؟ ( 1 ) فأمَّا تَقْديرُ إعْرابِهِ ، فإنَّ ( الَّذِي يَنْهَى ) والجُملَةَ الشَّرطيَّةِ هُمَا في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ ( أرَءَيْتَ ) ، وحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَ عَلَى الهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى . وجَازَ حَذْفُهُ لدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثَّاني عليهِ ، وَصَحَّ الاستِفْهامُ في جَوابِ الشَّرطِ كَمَا تَقُولُ : إنْ أَتَيْتُك أَتُكْرِمُني ؟ و ( أَرَءَيْتَ ) الثَّانيةُ زَائِدَةٌ مكَرَّرَةٌ تَوسَّطَتْ بينَ مفْعُولَيْ ( أَرَءَيْتَ ) الأُولى للتَّوكيدِ . ( كَلاَّ ) رَدْعٌ لأبي جَهْل وخَسَأٌ عن نَهْيهِ عن عبَادَةِ اللهِ وأَمْرِهِ بعبَادَةِ الأَصنامِ ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ) عمَّا هو فيهِ " لَنسْفَعَنْ " لَنَأخُذَنْ بِنَاصِيَتِهِ وَلَنَسْحَبَنَّهُ ( 2 ) بِها إلى النَّارِ ، واكتفى في ( الْنَّاصِيَةِ ) بلامِ العَهْدِ عن الإِضَافَةِ لِمَا عُلِمَ أنَّها نَاصِيةُ المَذْكُورِ ، والسَّفْعُ : القَبْض على الشَّيءِ وجَذْبُهُ بشدَّة ، وكُتِبَ ( لَنَسْفَعَاً ) في المُصْحَفِ بالأَلِفِ على حُكْمِ الوَقْفِ . ( نَاصِيَة ) بَدَلٌ من ( الْنَّاصِيَةِ ) أُبْدِلَتْ عن المَعرفَةِ وهي نَكِرَةٌ لأنَّها وُصِفَتْ فَاستَقَلَّتْ بفائِدَة ، وَوَصْفُها بالكَذِبِ والخَطَأ على الإِسْنَادِ المَجَازيِّ ، وَهُما في الحقيقةِ لِصَاحِبها ، وفي ذلكَ من الفَصَاحَةِ والجَزَالَةِ ما ليسَ في قَولِكَ : نَاصِيَة كَاذِب خَاطِئ . والنَّادي : المَجْلِسُ الذي يَنْتَدي فيهِ القَوْمُ ، أي : يَجْتَمِعُونَ . والمُرادُ : أهْلُ النَّادي ، كَمَا قَالَ زُهيرٌ :

--> ( 1 ) قاله الشيخ الطوسي في التبيان : ج 10 ص 381 . ( 2 ) في بعض النسخ : " لَنَسْجِنَنَّه " .